الشيخ الأنصاري
586
مطارح الأنظار ( ط . ج )
فجوابه : أنّ أحكام الطبائع ولوازمها مختلفة ، فمنها : ما هو ثابت لها من حيث هي مع قطع النظر عن الوجود الذهني والخارجي ، ومنها : ما هو ثابت لها بشرط وجودها في الخارج ، ومنها : ما هو ثابت لها بشرط الوجود الذهني كما في القضايا الطبيعيّة ، مثل قولنا : « الإنسان نوع والحيوان جنس » وأمثال ذلك . وما ذكر من السريان إنّما هو مسلّم في الأوّلين ، وأمّا في الثالث فمن الواضح امتناع السريان فيه ، وإلّا لكان كلّ فرد من أفراد الحيوان جنسا . والوجوب العارض للماهيّات من هذا القبيل ، فإنّه ليس عارضا للطبيعة من حيث هي هي ، ولا بها بشرط وجودها في الخارج ، بل يعرض لها بشرط وجودها الذهني . وإنّما قلنا كذلك ، لأنّ الوجوب في الحقيقة ليس من صفات الماهيّة بل هو عبارة عن الطلب القائم بنفس المتكلّم المتعلّق بإيجاد تلك الطبيعة ، وطلب الإيجاد لا يمكن أن يعتبر فيه بشرط كون المطلوب في الذهن دون الخارج . وإن أردت من تعلّق الأمر بهما تعلّق الأمر بأحدهما وبكلّي الآخر فما ذكرت من كونه تكليفا بالمسمّى ممنوع ، لأنّ المسمّى إنّما هو طلب الأمرين لا طلب أحدهما . والظاهر انطباق الآخر على المطلوب . لا يقال : كلّ ما ذكرت - بعد تسليمه - إنّما يقضي بعدم تعلّق الأمر الشرعي بالفرد لا عينا ولا تخييرا ، وأمّا الأمر العقلي التخييري فليس في وسعك إنكار هذا ، لأنّ العقل إذا وجد تعلّق الأمر بالكلّي حكم بكون كلّ واحد من أفراده مطلوبا على جهة التخيير ، وهذا الطلب العقلي التخييري أيضا يستحيل اجتماعه مع طلب ضدّه عينا . لأنّا نقول : إن أردت بالتخيير العقلي حكم العقل بكون الأفراد مطلوبة للشارع على سبيل التخيير ، فهذا يرجع إلى التخيير الشرعي ، إذ لا نعني بالتخيير الشرعي إلّا طلب الشارع أشياء على جهة التخيير كالخصال ، وهذا أوّل الكلام .